علي الهجويري

71

كشف المحجوب

من هذه الرقع بسبب حاجتي وعوزى ، وقد حول اللّه تعالى كل الامى إلى أنوار . وقد رأيت في ما وراء النهر رجلا طاعنا في السن ، ينتمى إلى طائفة الملامتية ، ولم يكن يأكل أو يلبس شيئا صنعته يد الإنسان ، وكان طعامه مما يلقيه الآخرون ، مثل الخضروات الفاسدة واللبن الفاسد ، والجزر المتعفن ، وما شابه ذلك ، وكانت ملابسه من الخرق التي التقطها من الطريق وغسلها ، وصنع منها رداء مرقعا . وسمعت أن من بين المتصوفة الحديثين ، بمرو الروذ ، رجلا كبير السن ، من ذوى الحال والأخلاق الطيبة ، وكان يحيك الرقع دون عناية على سجادة صلاته ولباس رأسه ، حتى أن العقارب كانت تربى صغارها فيها . وسمعت كذلك أن شيخى رضى اللّه عنه ارتدى جبة واحدة مدة إحدى وخمسين سنة ، وكان يضع عليها الرقع دون كبير اهتمام « 1 » . وقد قرأت هذه القصة بين قصص رجال اللّه في العراق : كان هناك درويشان أحدهما صاحب مشاهدة ، والآخر صاحب مجاهدة ، وكان أولهما لا يرتدى إلا الملابس التي يصنعها من الخرق ، والتي يقطعها الدراويش من ملابسهم في حال السماع ، أما ثانيهما فكان يستخدم للغرض نفسه القطع التي يمزقها الدراويش أثناء توبتهم ، وهكذا كان رداء كل منهما متفقا مع اتجاهه الباطني ، منسجما مع حاله . وكان الشيخ محمد بن عبد اللّه بن خفيف يرتدى ملبسا خشنا من الصوف ، مدة عشرين سنة وفي كل سنة كان يصوم أربع فترات ، كل فترة منها أربعين يوما ، وبعد كل أربعين يوما كان يكتب مؤلفا عن أسرار علوم الحقائق الإلهية ، وكان يعيش في زمنه أحد المتفقهين المنتمين إلى الطريقة والحقيقة يعيش بالقرب من فارس ، وكان يدعى محمد بن زكريا ولم يلبس قط مرقعة ،

--> ( 1 ) الصحيح عند القوم هو تغيير المرقع بآخر لغسله وتنظيفه ، فالإسلام بحث على النظافة ، ولنا في رسول اللّه أسوة حسنة ، فكان صلّى اللّه عليه وسلم يهتم بهندامه ونظافته الشخصية ونظافة ملابسه .